عُمان | إقتصاد

رؤية وطنية للاستثمار والتنمية
محرر الاستثمار اليمن -صنعاء
رؤية وطنية للاستثمار والتنمية
بقلم: د. رشيد صالح بارباع*
اليمن اليوم يعيش مرحلة معقدة وغير مسبوقة؛ تتقاطع فيها التحديات الاقتصادية والخدمية مع ملفات أمنية ومؤسسية، وتتراكم فيها آثار عقود من سوء الإدارة والحروب والانقسامات. لم تعد إدارة الدولة بمنطق رد الفعل خيارًا ممكنًا، فالمرحلة تتطلب رؤية وطنية شاملة ترتب الأولويات وتعزز مؤسسات الدولة على أسس عقلانية وعلمية وسيادية.
في قلب هذه الرؤية تأتي البيئة الاستثمارية الآمنة، وتفعيل مؤسسات وأجهزة الأمن والقضاء، كأساس لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن والمستثمر، وتمكين اليمن من استغلال ثرواته الطبيعية والبشرية، وتعزيز دوره في سلاسل الإمداد العالمية، وبناء مستقبل مستقر ومزدهر للأجيال القادمة.
الاستمرار بمنطق الحلول المؤقتة أصبح خيارًا مكلفًا وخطرًا، وما من سبيل للتقدم إلا عبر إدارة عقلانية مبنية على التخطيط المؤسسي والعلمي، ووضع الأمن والاستقرار وسيادة القانون في صدارة الأولويات.
البيئة الاستثمارية الآمنة
لا يمكن الحديث عن التنمية الاقتصادية أو جذب الاستثمارات أو توفير خدمات فعالة في ظل بيئة أمنية غير مستقرة أو مؤسسات ضعيفة. فالبيئة الاستثمارية الآمنة هي ركيزة لبناء الثقة بين الدولة والمواطن والمستثمر، وتعتمد على سيادة القانون، وكفاءة أجهزة الأمن، واستقلال القضاء.
خبراء التنمية يؤكدون بأن "الاستثمار لا يهرب من المخاطر وحدها، بل من غياب القواعد الواضحة والعدالة المؤسسية"..
لذلك، يتوجب على الحكومة القادمة التي يرأسها الدكتور شائع الزنداني تعزيز قدرات أجهزة الأمن، وتفعيل منظومة القضاء لضمان نزاهة وسرعة العدالة، بما يحقق الطمأنينة للمستثمر ويحمي الحقوق العامة والخاصة.
الاقتصاد والخدمات
يعاني المواطن اليمني من أزمات متراكمة في الكهرباء والمياه والمشتقات النفطية والرواتب والخدمات الأساسية، لكنها قابلة للحل عبر إدارة علمية ومؤسسية تعتمد على الإمكانات الوطنية مع الاستفادة الرشيدة من الدعم الأخوي الصادق من المملكة العربية السعودية الشقيقة.
تركز الحلول على إصلاح منظومة الطاقة، ومعالجة ملف المصفاة، وتفعيل القدرات الكهربائية، وإدارة قطاع المشتقات النفطية بمرونة تقنية، إلى جانب وضع ملف الأمن المائي في صدارة الأولويات، فالماء أساس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
الثروات الوطنية
يمتلك اليمن ثروات طبيعية هائلة، لكنها إما غير مستغلة أو مهدورة، أبرزها الثروة السمكية بسواحل طويلة وإمكانات تصديرية كبيرة، التي تحتاج تنظيمًا ورقابة وتقنيات حديثة، والزراعة كركيزة للأمن الغذائي تتطلب إدارة ذكية للمياه وتوجيه الإنتاج نحو احتياجات المجتمع.
وفي ملف النفط والمعادن، هناك فرصة واعدة وثروات عظيمة يجب أن تُدار بشفافية وتحمي من التهريب، وتربط عائداتها بالتنمية. ويبقى الإنسان اليمني هو الثروة الحقيقية، وحان الوقت لإشراك الكفاءات العلمية والفنية والاقتصادية في مواقع التخطيط والتنفيذ.
البيئة والمناخ
التغير المناخي لم يعد ملفًا نظريًا أو ترفًا بيئيًا؛ فاليمن من أكثر الدول هشاشة أمام شح المياه والتصحر والفيضانات وتدهور الأراضي الزراعية. لذلك، يجب تحويل ملف البيئة والمناخ إلى أولوية حكومية عبر سياسات واضحة للتكيف، وإدارة الموارد الطبيعية، والاستفادة من برامج الدعم الدولي لتعزيز التخطيط المستدام.
المعادن الاستراتيجية وسلاسل الإمداد
المعادن الاستراتيجية ليست مجرد موارد طبيعية، بل عنصر حاسم في الاقتصاد العالمي والصناعات المتقدمة والطاقة المتجددة.. واليمن يمتلك مؤشرات واعدة، لكن غياب الخرائط الجيولوجية الدقيقة وضعف العمل المؤسسي عطّل الاستفادة الفعلية منها.
ويمتد أهمية اليمن الاستراتيجية إلى موقعه الجغرافي الفريد، الذي يؤهله للعب دور محوري في سلاسل الإمداد العالمية كنقطة وصل بين أفريقيا وآسيا وأوروبا. ولتفعيل هذا الدور، تعمل الحكومة على تطوير بنية لوجستية حديثة، وموانئ نشطة، وتشريعات استثمارية متطورة، واستقطاب استثمارات استراتيجية تحمي السيادة وتحقق قيمة مضافة. كما تتحمل وزارة النفط والمعادن مسؤولية تحديث مؤسساتها وربطها بمراكز بحث وطنية ودولية لتكون العقل الاستراتيجي لإدارة هذه الموارد الحساسة. فالنفط ليس مجرد سلعة، بل عامل استراتيجي واقتصاد مستدام للدولة.
الشراكة مع العالم
لا يقل العمل الدبلوماسي أهمية عن الأمن والاقتصاد. اليمن بحاجة إلى استعادة موقعه الدولي، وبناء شراكات استراتيجية مع الدول الشقيقة والصديقة عبر التعاون العلمي والتعليمية والاقتصادي طويل الأمد، واستثمار الموقع الجغرافي لتحقيق مصالح مستدامة للبلاد.
اليمن يحتاج إلى رؤية واضحة للدولة، وإرادة سياسية صادقة، وإدارة عقلانية ذكية تُنشئ بيئة آمنة، وتبني سمعة جاذبة للاستثمار، وتفتح سياسة منفتحة للشراكة مع العالم. يجب أن تكون الأولوية لتمكين الإنسان من الوصول إلى مواقع العمل والإبداع، وتحفيز الابتكار والتميز في عصر المعرفة المتسارعة.
إن الانتقال من إدارة الأزمات إلى ابتكار الحلول لمواكبة التطورات العالمية ليس خيارًا، بل ضرورة وطنية ملحة لضمان مستقبل مستقر ومزدهر للأجيال القادمة.
إن الدول "لا تفشل بسبب نقص الموارد، بل بسبب ضعف المؤسسات".
والله ولي التوفيق
*وزير النفط السابق - عضو مجلس الشورى

