Slider
عندما تعيد المؤسسات بناء الدولة

عندما تعيد المؤسسات بناء الدولة

 

عندما تعيد المؤسسات بناء الدولة

 

وزارة الصناعة والتجارة وتجربة الصمود الاقتصادي في اليمن

 

بقلم

المستشار سالم سلمان

نائب وزير الصناعة والتجارة

 

في لحظات التحول الكبرى في تاريخ الدول، لا تُقاس قوة الدولة فقط بقدرتها العسكرية أو بمواردها المالية، بل بمدى صلابة مؤسساتها وقدرتها على الاستمرار في أداء وظائفها الأساسية تحت الضغط.

 

اليمن خلال العقد الأخير قدم مثالًا حيًا على هذه الحقيقة. فمع انهيار أجزاء واسعة من مؤسسات الدولة عقب انقلاب مليشيا الحوثي عام 2014، واجهت المؤسسات الحكومية اختبارًا وجوديًا: إما الانهيار الكامل، أو إعادة التشكل في بيئة سياسية واقتصادية شديدة التعقيد.

 

في هذا السياق، تمثل تجربة وزارة الصناعة والتجارة منذ انتقالها إلى العاصمة المؤقتة عدن عام 2016 نموذجًا مهمًا لفهم كيف يمكن لمؤسسة اقتصادية أن تعيد بناء نفسها وتعيد أداء دورها في إدارة السوق والاقتصاد رغم الحرب والانقسام المؤسسي.

 

لم يكن انتقال الوزارة انتقالًا إداريًا تقليديًا. ففي معظم الحالات، تنتقل المؤسسات ومعها أرشيفها وقواعد بياناتها وبنيتها التنظيمية. أما في الحالة اليمنية، فقد وصلت الوزارة إلى عدن باسمها القانوني وإطارها التشريعي فقط، تاركة خلفها معظم بنيتها المؤسسية في صنعاء.

 

هذا الواقع فرض تحديًا مزدوجًا:

إدارة الاقتصاد في ظروف حرب واضطراب مالي، وفي الوقت ذاته إعادة بناء المؤسسة من جديد.

 

في السنوات الأولى، تركزت الجهود على إعادة تشكيل الهيكل التنظيمي للوزارة، وتأسيس الإدارات العامة، وبناء قواعد بيانات جديدة للنشاط التجاري والصناعي، ووضع برامج عمل تشغيلية لقطاعاتها المختلفة.

 

لكن الأهمية الحقيقية لهذه المرحلة لم تكمن فقط في إعادة البناء الإداري، بل في إعادة تعريف دور الوزارة في الاقتصاد الوطني.

 

فالاقتصادات التي تمر بأزمات حادة غالبًا ما تعاني من اختلالات في الأسواق، وارتفاع حاد في الأسعار، وانقطاع في سلاسل الإمداد. وكان اليمن عرضة لكل هذه المخاطر في وقت واحد.

 

تزامن بناء الوزارة مع سلسلة من الصدمات الاقتصادية العالمية. فقد جاءت جائحة كورونا لتربك حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد، ثم أعقبتها الحرب الروسية الأوكرانية التي أعادت رسم خريطة تجارة الحبوب والطاقة عالميًا، وهي أسواق يعتمد عليها اليمن بشكل كبير.

 

وفي السنوات الأخيرة، أضيف عامل آخر إلى هذه المعادلة المعقدة، وهو اضطرابات الملاحة الدولية في البحر الأحمر التي رفعت تكاليف الشحن والتأمين وأعادت تشكيل مسارات التجارة العالمية.

 

في مثل هذا السياق، يصبح الدور الأساسي لوزارة التجارة ليس فقط تنظيم السوق، بل حماية الاستقرار الاقتصادي الهش.

 

وقد ركزت الوزارة في هذا الإطار على ثلاثة محاور رئيسية.

 

أول هذه المحاور كان ضمان استمرار تدفق السلع الأساسية عبر التجارة الخارجية، والحفاظ على قنوات الاستيراد مفتوحة رغم تقلبات السوق العالمية.

 

أما المحور الثاني فتمثل في استقرار السوق الداخلية، من خلال مراقبة الأسعار وتعزيز دور أجهزة حماية المستهلك وتفعيل العمل الميداني لمكاتب الوزارة في المحافظات.

 

لكن العنصر الحاسم في هذا المجال كان بناء شراكة عملية مع القطاع الخاص، الذي يمثل الفاعل الأساسي في النشاط التجاري والاستيرادي في اليمن.

 

وقد أظهرت التجربة أن استقرار الأسواق في الدول التي تمر بأزمات لا يمكن تحقيقه عبر الإجراءات الحكومية وحدها، بل يتطلب علاقة تكاملية بين الدولة والقطاع الخاص تقوم على الثقة وتبادل المعلومات والتنسيق المستمر.

 

المحور الثالث كان تنظيم البيئة التجارية والاستثمارية.

 

ففي قطاع خدمات الأعمال، عملت الوزارة على إعادة بناء منظومة السجل التجاري وتنظيم الوكالات والعلامات التجارية، بما يضمن حماية حقوق التجار والمستثمرين ويعزز الثقة في النظام الاقتصادي.

 

أما في قطاع الصناعة، فقد بدأت الوزارة بوضع الأسس الأولى لسياسة صناعية وطنية، عبر إعداد الاستراتيجية الصناعية ووضع برامج لتوطين الصناعات الوطنية وتعزيز حماية المنتج المحلي.

 

ورغم أن الظروف الاقتصادية في اليمن لا تزال معقدة، فإن هذه الخطوات تمثل البنية الأولية لأي تحول صناعي مستقبلي.

 

غير أن العنصر الأكثر أهمية في هذه التجربة كان رأس المال البشري.

 

فقد أظهرت السنوات الماضية أن قدرة المؤسسات على الصمود في بيئات الأزمات تعتمد إلى حد كبير على كفاءة الكادر الإداري والفني داخلها.

 

ولهذا، أولت الوزارة اهتمامًا كبيرًا ببرامج التدريب والتأهيل وبناء القدرات، وتعزيز التنسيق المؤسسي بين الديوان العام ومكاتب الوزارة في المحافظات.

 

لقد جرت هذه العملية في ظل حرب اقتصادية حقيقية، حيث يتداخل الصراع السياسي مع الضغوط المالية واضطرابات الأسواق العالمية.

 

ومع ذلك، استطاعت الوزارة أن تحافظ على الحد الأدنى من استقرار السوق وأن تضمن استمرار تدفق السلع الأساسية للمواطنين.

 

إن تجديد الثقة بقيادة الوزارة ممثلة بمعالي الوزير الأستاذ محمد الأشول وفريقه القيادي والإداري يعكس تقديرًا لمسيرة عمل مؤسسي صعبة، أسهمت في الحفاظ على واحدة من أهم أدوات الاستقرار الاقتصادي في البلاد.

 

لكن الأهمية الحقيقية لهذه التجربة تتجاوز حدود الوزارة نفسها.

 

فهي تقدم درسًا أوسع حول قدرة المؤسسات الوطنية على إعادة التكيف وإعادة البناء حتى في أكثر الظروف تعقيدًا.

 

فالوزارة التي وصلت إلى عدن باسمها فقط، استطاعت خلال سنوات قليلة أن تعيد بناء منظومة عمل مؤسسية وأن تستعيد دورها في تنظيم السوق وإدارة النشاط الاقتصادي.

 

وهذا يؤكد حقيقة أساسية في علم الاقتصاد السياسي:

أن الدول قد تمر بأزمات عميقة، لكن المؤسسات القادرة على التعلم والتكيف تظل قادرة على إعادة إنتاج الاستقرار.

 

وفي نهاية المطاف، فإن بناء المؤسسات ليس حدثًا عابرًا، بل عملية تاريخية طويلة تتشكل عبر التحديات.

 

وتجربة وزارة الصناعة والتجارة في اليمن تمثل مثالًا واضحًا على أن قوة الدولة تبدأ من قدرة مؤسساتها على الصمود والعمل حتى في زمن العواصف


طباعة   البريد الإلكتروني