مع استمرار الحرب في إيران، وما رافقها من اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية، وجدت الصين فرصة استراتيجية لتعزيز نفوذها داخل آسيا، مستفيدة من حاجة دول الجوار إلى الوقود،
وفي الوقت نفسه مروّجة لتقنياتها المتقدمة في مجال الطاقة المتجددة.
ففي الأيام التي أعقبت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، فرضت بكين حظراً على صادرات المشتقات النفطية، ما أدى إلى ضغط كبير على الدول الآسيوية التي تعتمد على المصافي الصينية لتأمين وقود الطائرات والبنزين والديزل.
War and Energy Shortages Boost China’s Influence in Asia https://t.co/CkDQVKTTAC
— Serena Console (@SerenaConsole) May 7, 2026
آسيا تطلب المساعدة
وأشارت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، إلى أنه مع تصاعد المخاوف من نقص الطاقة، سارعت حكومات آسيوية إلى التواصل مع الصين لتخفيف آثار الحرب على اقتصاداتها.
وأوضحت أن فيتنام نشدت بكين لمعالجة أزمة وقود الطائرات المتوقعة، بينما طلبت الفلبين من الصين عدم تقييد صادرات الأسمدة. كما أعلنت أستراليا، عقب زيارة لوزير خارجيتها إلى الصين، أن بكين وافقت على التعاون مع الشركات الأسترالية بشأن شحنات وقود الطائرات.
وأفضت هذه التحركات الدبلوماسية إلى تعهدات صينية، بالمساعدة في تعزيز أمن الطاقة الإقليمي، إلى جانب اتفاقات للتعاون في مشاريع الطاقة المتجددة، الأمر الذي ساهم في تجنب السيناريوهات الأسوأ التي كانت تخشاها الأسواق الآسيوية مع بداية الحرب.
الصين موقع القوة
ورغم أن الصين تعد أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، فإنها دخلت الأزمة من موقع أكثر استقراراً مقارنة بجيرانها، بعدما راكمت احتياطيات ضخمة من النفط، وعملت لسنوات على تقليص اعتمادها على الواردات الأجنبية، إضافة إلى استثمارات هائلة في قطاع الطاقة النظيفة.
ومنذ اندلاع الحرب، أجرت بكين محادثات رفيعة المستوى مع مسؤولين من الفلبين وأستراليا وفيتنام وكمبوديا ولاوس وتايلاند وميانمار وبنغلاديش، حاملة رسالة واضحة مفادها أنها لا تريد إغلاق مضيق هرمز، لكنها تقدم بديلاً طويل الأمد يتمثل في الطاقة المتجددة.
ورغم القيود الصينية، استمرت بعض صادرات الوقود إلى دول مختارة، إذ ارتفعت شحنات وقود الطائرات الصينية إلى فيتنام بنسبة 34%، بينما زادت صادرات الأسمدة إلى الفلبين بنسبة 33%، وقفزت صادرات الديزل إليها بنسبة 187% خلال مارس (أذار) الماضي، مقارنة بالشهر السابق.
ويقول محللون إن بكين استخدمت سياسة انتقائية في التصدير، منحت من خلالها الأفضلية للدول التي شهدت علاقاتها معها تحسناً ملحوظاً، مثل أستراليا وفيتنام.
سلاح نفوذ جديد
وتسعى الصين إلى تقديم نفسها باعتبارها قائدة المستقبل في مجال الطاقة النظيفة والطاقة المحلية، في مواجهة اعتماد الولايات المتحدة وحلفائها على النفط والغاز الطبيعي، وهو ما يترك اقتصادات العالم عرضة لتقلبات الشرق الأوسط.
ويرى خبراء أن بكين تستخدم الأزمة الحالية لتعزيز "القوة الناعمة" الصينية، عبر تقديم الدعم الطاقي لجيرانها، مع التمهيد في الوقت ذاته لتوسيع مبيعات التكنولوجيا الخضراء مستقبلاً.
كما أن الحرب منحت الصين فرصة لإعادة صياغة مبادرة "الحزام والطريق"، التي تعرضت لانتقادات بسبب إغراق الدول النامية بالديون، عبر استبدال صورة "المُقرض" بصورة "شريك الطاقة النظيفة".

أسواق جديدة للتكنولوجيا
وفي خضم الأزمة، وجدت الصين فرصة ذهبية لتوسيع انتشار تقنياتها الخضراء، إذ تهيمن بالفعل على تصنيع معدات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والشبكات الذكية والسيارات الكهربائية.
كما ساهمت الحرب في تصريف فائض الإنتاج الصيني من السيارات الكهربائية والألواح الشمسية، حيث تضاعفت صادرات الألواح الشمسية خلال مارس (أذار) الماضي، مقارنة بالشهر السابق، في وقت ارتفعت فيه أيضاً صادرات السيارات الكهربائية رغم الرسوم الجمركية المفروضة عليها في عدة أسواق.
وترى بكين أن التحول إلى "قوة عظمى في مجال الطاقة"، يمثل جزءاً أساسياً من استراتيجيتها لتعزيز الاكتفاء الذاتي وتقوية موقعها في المنافسة العالمية.
وأكد مسؤولون صينيون أن "دبلوماسية الطاقة" لعبت دوراً محورياً منذ اندلاع الحرب، مشيرين إلى مشاريع تقودها شركات صينية في عشرات الدول، من بينها مزارع رياح في كازاخستان والجبل الأسود، ومحطات طاقة شمسية في الأرجنتين والجزائر.

تغيّر نظرة العالم
ومع تفاقم أزمة الطاقة العالمية، بدأت الانتقادات الغربية بشأن "إغراق" الصين للأسواق العالمية بمنتجات رخيصة تتراجع تدريجياً.
ويقول مراقبون إن الدول التي كانت تنتقد فائض الإنتاج الصيني، باتت ترى في هذه المنتجات حلاً عملياً خلال الأزمات، خصوصاً في مجالات الطاقة النظيفة والمركبات الكهربائية.

