لن يتراجع التضخم في الاقتصادات الكبرى، ليصل إلى الحد الأقصى الرسمي المستهدف عند 2%. هذه الحقيقة تعمق أزمات الدول وحكوماتها، التي «تهتز» سياسياً من فرط اتساع رقعة عدم اليقين، في المديين
القصير والمتوسط. من الاتحاد الأوروبي إلى بريطانيا فالولايات المتحدة وكندا، وغيرها من الاقتصادات المؤثرة عالمياً، يأمل المشرعون، بتحولات سريعة توقف المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط، التي (كما هو معروف) أعادت مستويات التضخم إلى الارتفاع، من جهة إمدادات الطاقة، بعد سنوات من «النضال» لخفضها، كما أنها تكبح النمو، بينما تتمسك البنوك المركزية بسياسة التشديد النقدي. وللإنصاف، تقوم بذلك رغماً عنها، وتواجه الضغوط الحكومية المتنوعة لخفض تكاليف الاقتراض في عدد من الدول، ولا سيما الولايات المتحدة.
منتصف هذا الشهر، سيراجع المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي) الفائدة، ولا توجد إشارة واحدة تدل على أنه سيخفضها، معنى ذلك أنها ستبقى ما بين 3.50 و3.75%، بصرف النظر عن عدم رضى الرئيس دونالد ترامب، الذي يأمل بخفضها، مهما تكن النتائج.
الاتحاد الأوروبي، أقدم «بشجاعة» على رفع تكاليف الاقتراض إلى 2.5%، كما كان متوقعاً، فالتضخم في دول منطقة اليورو بلغ 3%، مرة أخرى أعلى بكثير من النسبة المستهدفة عند 2%، مع تأرجح توقعات النمو ما بين 0.8 و0.9%، وهو المعدل الذي يأمل الأوروبيون ألا يضطروا بنهاية العام الحالي إلى مراجعته نحو الأسفل، وخصوصاً مع الضغوطات الأخرى، بما فيها الحرب الروسية الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس، وزيادة الإنفاق العسكري.
سيبقى التضخم «المارد» الذي لن يحجمه سوى اللجوء إلى «السلاح» التقليدي.. التشديد النقدي، وحتى هذا الأخير ليس كفيلاً في السيطرة عليه في كثير من البلدان. مطلع العقد الحالي، بلغت الفائدة مستويات تاريخية مرتفعة، واستغرق الأمر خمس سنوات تقريباً لجلب أسعار المستهلكين لحدودها المتأرجحة حالياً، ما أثر سلباً وبقوة على النمو، الذي تبحث عنه الحكومات في كل الزوايا، ليس فقط لرفع حجم الناتج المحلي فيها، بل لضمان استقرار سياسي، يضمن استمرارية استراتيجية اقتصادية (غير متبدلة مع كل حكومة)، لتوسيع رقعة اليقين الذي بات مفقوداً تماماً في الاقتصادات الغربية الكبرى.
