أبوظبي (الاتحاد)
تبرز دولة الإمارات كنموذج متقدّم في الانتقال من مرحلة التجريب إلى دمج الذكاء الاصطناعي ضمن الوظائف الحكومية الأساسية، حسب دراسة بحثية جديدة أصدرتها مجموعة يانغو بالتعاون مع كلية «إنسياد».
وأكدت الدراسة أن تجربة دولة الإمارات تستند إلى ثلاثة عوامل مؤسسية رئيسية تشمل: التزاماً قيادياً طويل الأمد وواضحاً، وإعادة تصميم العمليات الحكومية على مستوى القطاعات، إضافة إلى توظيف المشتريات والشراكات بوصفها أدوات استراتيجية لدعم التحوّل، وليس كإجراءات إدارية تقليدية. واستعرضت الدراسة التي تحمل عنوان «الذكاء الاصطناعي كبنية تحتية عامة: دروس من دولة الإمارات لتحول الحكومات»، عدداً من النماذج العملية، من بينها الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031 باعتبارها إطاراً وطنياً للتنسيق المؤسسي، ومنصة «تم» التي تطوّرت إلى منظومة حكومية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تضم أكثر من ألف خدمة حكومية، إلى جانب مبادرة دبي لتسريع تبني الذكاء الاصطناعي التي نجحت في تقليص 183 حالة استخدام مقترحة إلى 15 تطبيقاً عالي التأثير في قطاعات تشمل التنقل والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية والبنية التحتية الحضرية، مشيدة بنهج أبوظبي القائم على أولوية البنية التحتية الرقمية، والمدعوم بقدرات سحابية سيادية وطموح للتحول إلى «حكومة قائمة على الذكاء الاصطناعي».
ووفقاً للدراسة فإن الحكومات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره جزءاً من بنيتها التشغيلية الأساسية، وليس مجرد مشاريع تقنية منفصلة، أصبحت أكثر قدرة على توسيع نطاق استخدامه بصورة مستدامة عبر مختلف الخدمات الحكومية. وأوضحت أن الذكاء الاصطناعي دخل مرحلة جديدة في القطاع الحكومي، حيث لم يعُد التحدي الرئيسي مرتبطاً بإمكانية تبني التقنية، بل بكيفية تصميمها وحوكمتها ودمجها مؤسّسياً بما يضمن تحقيق قيمة عامة طويلة الأمد، مشيرة إلى أن العديد من الحكومات حول العالم لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بتعدد المبادرات التجريبية دون تحقيق التوسع المطلوب، إلى جانب تشتت المسؤوليات بين الجهات المختلفة، وغياب أطر مؤسسية واضحة لحوكمة أنظمة الذكاء الاصطناعي.
واعتمدت الدراسة كذلك على مراجعة منهجية لتجارب دولية شملت المملكة المتحدة وسنغافورة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، حيث أظهرت النتائج أن الحكومات التي تمتلك أدوات تقنية متقاربة تحقق نتائج متفاوتة تبعاً لأساليب الحوكمة وآليات التنفيذ والمشتريات وتقييم الأداء. وأكدت الدراسة أن تحديات التنفيذ غالباً لا ترتبط بقدرات النماذج التقنية، بل بتشتت البيانات، ونقص الكفاءات التي تجمع بين الخبرة التقنية وصناعة السياسات، إضافة إلى تأخر أطر الحوكمة عن مواكبة سرعة التطبيق.
واستندت الدراسة إلى مقابلات مع مسؤولين حكوميين وخبراء في الذكاء الاصطناعي من مختلف أنحاء دولة الإمارات، بمشاركة ممثلين عن مؤسسة دبي للمستقبل، ودائرة التمكين الحكومي – أبوظبي، ومبادلة، وCore42، وإنسبشن. كما ساهمت مجموعة يانغو، التي توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات النقل والخدمات اللوجستية والخرائط والمنصات الرقمية في عدد من الأسواق العالمية، بتقديم رؤى تشغيلية حول حوكمة أنظمة الذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاقها ضمن بيئات تشغيلية معقدة.
وقال إسلام عبد الكريم، المدير الإقليمي لمجموعة يانغو في الشرق الأوسط: «لم يعُد السؤال اليوم يتمحوّر حول ما إذا كانت الحكومات تتبنى الذكاء الاصطناعي، بل حول كيفية بناء الأطر المؤسسية والتشغيلية والبنية التحتية القادرة على دعمه على نطاق واسع، مؤكداً أن تجربة دولة الإمارات تؤكد أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أساسياً من الأنظمة الحكومية والتشغيلية طويلة الأمد.
ومن جانبه، قال مارك مورتنسن، العميد المشارك لحرم الشرق الأوسط في إنسياد: «غالباً ما يتم تناول الذكاء الاصطناعي باعتباره تحولاً تقنياً، إلا أن هذه الدراسة تؤكد أن توسيع نطاقه بنجاح يمثّل أيضاً تحدياً مؤسسياً، لافتاً إلى أنه من خلال تبني نهج يتعامل مع الذكاء الاصطناعي كبنية تحتية عامة، تقدم دولة الإمارات نموذجاً عملياً ودروساً قيّمة للحكومات الساعية إلى تحويل طموحات الذكاء الاصطناعي إلى قيمة عامة مستدامة.
