حسام عبدالنبي (أبوظبي)
سيطرت التقلبات الحادة على أسعار الذهب في السوق العالمية، ما أرجعه المحللون إلى ارتفاع الدولار وتلاشي الآمال في تخفيض مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة على
المدى القريب، بالإضافة إلى قيام مستثمرين بالبيع لجني الأرباح وتدبير احتياجات السيولة بعد ارتفاعات قياسية خلال العام الحالي، فضلاً عن البيع لتقليل المخاطر وتطبيق مفهوم البيع من أجل (إيقاف الخسائر)، لاسيما في ظل تزايد التوقعات بالتخلي عن قرار رفع الفائدة الأميركية نظراً لارتفاع التضخم بعد ارتفاع أسعار النفط لمستويات قياسية.
وعوضت أسعار الذهب بعض خسائرها اليوم عقب انخفاضها بأكثر من 2% في وقت سابق من جلسة اليوم، وتراجع سعر الذهب في المعاملات الفورية 0.2% إلى 4396.74 دولار للأوقية (الأونصة) بحلول الساعة 0820 بتوقيت جرينتش إلى 4097.99 دولار للأوقية في أدنى مستوى لها منذ 24 نوفمبر. وانخفضت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم أبريل 1.5% إلى 4340.90 دولار.
وعلى صعيد الطلب العالمي، شهدت صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب وفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي تدفقات خارجة بقيمة 7.9 مليار دولار، أو 54.8 طن، بشكل رئيسي في الولايات المتحدة، لتصل إلى 4117.9 طن منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط.
مسار الفائدة
وقال جاكوب روخليتز، محلل الأسواق لدى إيتورو، إنه على الرغم من أن الذهب يُعتبر تقليدياً ملاذاً آمناً خلال فترات عدم اليقين الجيوسياسي، فإنه يواجه حالياً رياحاً معاكسة نتيجة ارتفاع توقعات التضخم في الولايات المتحدة وتغيّر مسار أسعار الفائدة، موضحاً أن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، ما عزّز مخاوف التضخم ودفع الأسواق إلى إعادة تقييم توقعات السياسة النقدية.
وأكد روخليتز، أن أسعار الذهب شهدت ضغوطاً كبيرة، حيث تراجعت بنسبة 6% يوم الاثنين بعد انخفاض بنسبة 10% الأسبوع الماضي، في ظلّ تأثير الظروف الاقتصادية الكلية المتغيرة على المعدن النفيس. وأضاف أن شهر مارس يتّجه ليكون من أضعف الأشهر على الإطلاق بالنسبة للذهب، مع انخفاض الأسعار بنحو 21% منذ بداية الشهر.
وحدد روخليتز، عدداً من العوامل التي قلّلت من جاذبية الذهب ومنها ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، إلى أعلى مستوى له منذ صيف 2025 حيث تؤدي هذه الزيادة في العوائد إلى تعزيز قوة العملات والضغط على أسواق الأسهم، ما يقلّل من جاذبية الذهب.
وأضاف أن سوق الذهب يشهد موجة من جني الأرباح بعد الأداء القوي للذهب العام الماضي، حيث ارتفعت الأسعار بنحو 66%، وقد ساهم ذلك في دخول السوق مرحلة تصفية، تتمثل في خروج تدفقات من الصناديق المتداولة (ETF)، وعمليات بيع قسرية، وإغلاق المستثمرين لمراكزهم لتعويض خسائر في أصول أخرى، لافتاً إلى أنه رغم هذه التحديات قصيرة الأجل، لا تزال العوامل الداعمة طويلة الأجل للذهب قائمة، لاسيما استمرار مشتريات البنوك المركزية، التي كانت حجر الأساس للاتجاه الصاعد للأسعار على المدى الطويل، ومنبهاً في الوقت ذاته بأنه على المدى القريب، من المرجح أن تبقى التقلبات مرتفعة مع استمرار الأسواق في استيعاب هذه المتغيرات، أما على المدى الطويل، فلم يتم تقويض النظرة الإيجابية للذهب بشكل كامل، إذ سيعتمد أداؤه المستقبلي على تطورات الوضع الجيوسياسي، واتجاهات التضخم، واستجابة البنوك المركزية.
ملاذ آمن
وقال نيل كين، رئيس قسم المبيعات العالمية في شركة ADSS إنه على الرغم من إعلان الولايات المتحدة أنها ستؤجل الضربات على البنية التحتية للطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام، فإن الانخفاض الحاد في سعر الذهب بنسبة 8% (وهو الآن أطول سلسلة خسائر مسجلة له) فاجأ الكثيرين، حيث لم يعد الذهب يُتداول كملاذ آمن تقليدي، مؤكداً أن مخاوف التضخم وتوقعات ارتفاع أسعار الفائدة أثرت سلباً على المعدن، الذي اختبر لفترة وجيزة متوسطه المتحرك لـ200 يوم حول 4090-4100 دولار قبل أن يستقر، مما يوفّر دعماً فنياً على المدى القريب.
وكشف كين، أن طلب التجزئة على الذهب جاء صورة مختلفة، حيث يمتلك 65% من عملاء ADSS مراكز شراء في الذهب، وعلى الرغم من عمليات البيع والتقلبات الأخيرة، مازلنا نرى إقبالاً قوياً على الشراء عند انخفاض الأسعار، مشيراً إلى أن تقارير محلية وردت أمس كشفت عن عمليات شراء محمومة في أسواق الذهب المحلية في الإمارات، حيث نفدت مخزونات العديد من التجار، حتى إن سعر الذهب المستعمل ارتفع بشكل ملحوظ وسط نقص في المعروض محلياً.
وقف الخسارة
وقالت رونا أوكونيل، المحلّلة في شركة ستون إكس فاينانشال، إن تراجع الذهب جاء محصلة مزيج من جني الأرباح وتصفية الأصول وسط مخاوف من تباطؤ التيسير النقدي.
وأوضحت أن ارتفاع الأسعار في وقت سابق لتتجاوز 5200 دولار، جذبت عدداً كبيراً من المشترين، ما جعل سوق الذهب عرضة للتصحيح، منوهة بأنه عندما بدأت الأسعار بالانخفاض، قام العديد من المستثمرين بتفعيل أوامر (وقف الخسارة) وهي أوامر تلقائية للبيع في حال انخفاض الأسعار إلى مستوى معين، ما أدى إلى تسارع عمليات البيع بشكل ملحوظ.
الذهب الرقمي
من جانبه، قال ماتياس تاوبر، المدير التنفيذي والشريك الرئيسي في «مجموعة بوسطن الاستشارية» إن تسهيل تداول الذهب الرقمي يمكن أن تعزز الثقة والشفافية والكفاءة على مستوى السوق، ومن ثم تعزيز مكانة الذهب ودوره، ولذا أعلن مجلس الذهب العالمي عن مبادرة تهدف إلى تطوير بنية تحتية جديدة للأسواق، تمهّد لإطلاق مرحلة جديدة في مسار تطور الذهب الرقمي. وحدد تاوبر، عدداً من المزايا المقترحة للمنصة وهي تسهيل تطوير وإصدار وإدارة منتجات الذهب الرقمي بصورة مستدامة، سهولة التداول، تعزيز الثقة والضمانات، وتوفير نطاق أوسع من الاستخدامات، مبيناً أنه مع تحسّن قابلية الاستبدال والسيولة، يمكن للذهب الرقمي أن يتجاوز دوره التقليدي كمخزن للقيمة وأداة للتنويع، ليصبح «رأسمالاً قابلاً للتوظيف»، ويفتح المجال لاستخدامات جديدة مثل رهن الذهب كضمان للحصول على التمويل.
