من أهمِّ المؤشرات الإيجابية المتعلقة بالاقتصاد العالمي، والتي لا تزال باقية في الساحة، أن النمو سيكون مستقراً في العام الحالي، على الرغم من «المنغِّصات» التي لا تغيب، مثل التوترات الجيوسياسية، و«ثغرات»
التضخم، ومستويات الحمائية المتزايدة، والرؤى المتباينة حول التجارة العالمية، ولاسيما بين البلدان المؤثّرة في المشهد الدولي. النمو المستقر يُعدّ في ظل هذه الأجواء، انتصاراً، لا بدّ من المحافظة عليه، والعمل على تقليل آثار ما أمكن من «المنغصات» المشار إليها. فالسنوات الأولى من العِقد الحالي، عجّت بالأزمات الطويلة التي لا تزال تترك بعض متعلقاتها إلى الآن.
المخاوف التي لا تنتهي في الواقع، سواء في الأزمنة الحرجة، أو في الأوقات المزدهرة، تبقى مرتبطة بالديون العالمية، ولا سيما التي تخصّ البلدان النامية وتلك التي تُوصف عادة بالأشد فقراً. على مدى سنوات، توسَّع نطاق هذه الديون، وزادت أعباؤها لأسباب عديدة، بما في ذلك ارتفاع قيمة الدولار الأميركي، العملة التي تُسوَّى بها معظم الديون السيادية. وبالرغم من بعض الإجراءات التي خففت شيئاً من الضغوط على البلدان «الهشة»، إلا أن أثقالها تبقى جاثمة على كل هذه الدول. مع نهاية العام الماضي، بلغ حجم الديون العالمية حوالي 338 تريليون دولار، (أو ما يوازي 324% من الناتج الإجمالي العالمي)، ضاغطاً على كل الاقتصادات المرتبطة بها، بما في ذلك اقتصادات الدول الكبرى، التي فاقت قيمة ديون بعضها حجم ناتجها المحلي الإجمالي.
المطلوب الذي لم يتحقق حتى الآن، هو وجود أُطر مالية «عالية الجودة» لتقليل حجم الديون، وخصوصاً في ساحات الاقتصادات النامية. فديون الأخيرة على وجه الخصوص، تعرقل كل مخططات التنمية والاستثمارات، كما أنها تُعد «طاردة» لرؤوس الأموال الأجنبية، بالإضافة طبعاً، إلى اضطراب السياسات الاقتصادية عموماً. فإذا كانت الدول الكبرى غير قادرة على ضبط ديونها، كيف يمكن للبلدان الضعيفة أن تقوم بذلك؟ فخدمة الدين بحد ذاته تعتبر أزمة مستدامة، الأمر الذي يُعيق الإنفاق على البنى التحتية والخدمات بكل أنواعها، بما في ذلك الصحة والتعليم وغيرهما. لا شيء يحتوي آثار هذه الديون سوى ضمان نمو اقتصادي محلي، على أن يكون أكثر استدامة. فحتى تخفيف أعباء الديون عبر إعادة جدولتها، لا يوفر ضمانات بزوال أضرارها على الاقتصادات الهشَّة، بل وحتى على الاقتصادات القوية.
