لماذا يتدافع المواطنون لتخزين السلع؟

فلسطين
اقتصاد فلسطين

الاقتصادي- الحياة الجديدة- ميساء بشارات- في أسواق نابلس وباقي مدن الضفة، تمتلئ عربات التسوق بسرعة غير معتادة، تحمل أكياس الطحين بكميات مضاعفة، ويزداد الطلب على السكر والأرز والمعلبات، تسمع خشخشة الأكياس البلاستيكية الممتلئة، ولا أحد يعلن عن نقص، ولا رفوف فارغة حتى الآن، لكن القلق يسبق الواقع بخطوات.

مع تصاعد التوترات بين إيران وإسرائيل، برزت في الأسواق الفلسطينية ظاهرة اقتصادية متكررة في أوقات الأزمات وهي الاندفاع الجماعي نحو شراء السلع الأساسية وتخزينها بكميات تفوق الحاجة.

هذه الظاهرة، قد تؤدي إلى اضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار وحرمان فئات أخرى من الحصول على احتياجاتها الأساسية.

تجار مواد غذائية أكدوا لـصحيفة "الحياة الجديدة" أن مبيعات بعض السلع الأساسية ارتفعت خلال الأيام الأولى من الحرب بنسبة تقديرية تراوحت بين 10% و25% مقارنة بالأسبوع السابق.

الطحين يتصدر القائمة، تليه السلع الجافة طويلة الأمد، والمعلبات.

أحد تجار الجملة في نابلس قال: "إن الزبائن يشترون ضعف الكمية المعتادة، وكأنهم يستعدون لسيناريو إغلاق مفاجئ.. إنهم يشترون بشكل مبالغ فيه".

فعند تصاعد الأحداث يتحول الخوف عند الناس إلى محرك للطلب على السلع بدافع الذعر، فيشترون ليأخذوا احتياطهم من السلع الغذائية.

يقول التاجر محمد الشخشير: "إن الطلب المفاجئ يضغط على المخزون، ومع الوقت قد يدفع الموردين لرفع الأسعار تحسبا، فيتحول الخوف إلى تضخم حقيقي".

موجة شراء بدافع القلق

يقول الشخشير: "إن الزبائن يشترون كميات أكبر من المعتاد، وحاليا لا يوجد نقص، لكن الطلب المفاجئ يضغط على المخزون". موضحا أن هذا الإقبال الكبير من قبل الناس لا يعني نقصا فوريا للمواد، لكنها تخلق ضغطا على سلاسل التوريد.

ويشير إلى أن فلسطين تعتمد في نحو 80% من وارداتها على السوق الإسرائيلية أو عبر موانئها، ما يجعل أي اضطراب أمني أو لوجستي عامل ضغط محتملا على الأسعار في السوق المحلية.

وينوه إلى أنه في حال استمر الطلب بهذا الشكل، فقد نضطر للطلب بكميات أكبر، وإذا ارتفعت كلفة النقل أو الاستيراد سينعكس ذلك حتما على أسعار السلع.

ويقول إنه في معظم الحالات، الخوف يسبق الواقع، فما إن يسمع الناس بأي توتر أمني أو سياسي يندفعون للأسواق والمحلات لشراء المواد والسلع خوفا من انقطاعها او حجزهم في منازلهم وعدم استطاعتهم الخروج للشراء، مؤكدا أن التخزين المبالغ فيه يخلق أزمة مصطنعة، لم تكن موجودة، فعندما يشتري كل فرد أكثر مما يحتاج، يتضاعف الطلب فجأة، فيرتفع السعر.

في أحد المتاجر، تقول المواطنة وأم لأربعة أطفال سناء محمد: "نحن لسنا خائفين من اليوم، بل من الغد، عندما نرى الأخبار، نفكر ماذا لو أغلقت الطرق؟ لذلك نشتري لنطمئن".

وتضيف: "رغم أن ما يجري بين إيران وإسرائيل قد يبدو حدثا بعيد جغرافيا، لكنه ينعكس على السوق الفلسطيني.. فالمعركة هنا نفسية واقتصادية.. ونحن الآن نشتري بدافع الخوف، فقد اشتريت مؤونة تكفي أسبوعين بدلا من أسبوع واحد ولو كان لدي المزيد من المال لاشتريت أكثر تحوطا للأيام القادمة".

من جانبه، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور ثابت أبو الروس ظاهرة تغير سلوك المستهلك الفلسطيني خلال الأزمات والحروب، حيث يتحول قرار الشراء من المنطق العقلاني المبني على الحاجة إلى قرار عاطفي يقوده الخوف والذعر.

خبير اقتصادي يحذر من تداعيات الشراء العاطفي على السوق الفلسطيني

يوضح أبو الروس في حديث خاص "للحياة الاقتصادية" أن قرار الشراء لدى المستهلك يتأرجح عادة بين مسارين رئيسيين: المسار العقلاني والمسار العاطفي. ففي الظروف الطبيعية، يعتمد المستهلك على قرار عقلاني قائم على الحاجة الفعلية للسلعة، مثل شراء الطحين أو السكر ضمن الاستهلاك المعتاد للأسرة. لكن هذا التوازن يتغير جذريا في ظل الأزمات والحروب.

ويقول إن الحروب والتوترات السياسية تدفع المستهلكين إلى اتخاذ قرارات شراء عاطفية يغيب عنها التقدير العقلاني، حيث يصبح الخوف وعدم اليقين العامل الأساسي في توجيه السلوك الاستهلاكي. وفي هذه الحالة، يتجه المواطن إلى شراء كميات أكبر من حاجته الفعلية تحسبا لأي نقص محتمل في المستقبل.

ويضيف أن هذا السلوك الجماعي يقود غالبا إلى ما يشبه الاندفاع نحو الأسواق، حيث تتزاحم أعداد كبيرة من المستهلكين على شراء السلع في فترة زمنية قصيرة، وتكون النتيجة المباشرة لذلك هي اختلال مؤقت في توازن السوق، يتمثل في سوء توزيع السلع بين المواطنين، إذ يتمكن من يملك القدرة المالية من شراء كميات كبيرة، بينما يجد أصحاب الدخل المحدود أنفسهم عاجزين عن الحصول على احتياجاتهم الأساسية.

ويرى أبو الروس أن هذا النمط من الشراء لا يمكن اعتباره تحوطا اقتصاديا عقلانيا بقدر ما هو قرار عاطفي نابع من القلق، فتوفر السلعة في السوق يعني أن الحاجة الفعلية للمستهلك ملباة، أما شراء كميات إضافية للتخزين فهو انعكاس لحالة الخوف أكثر من كونه استجابة لواقع اقتصادي حقيقي.

ويحذر من أن استمرار هذا السلوك قد يقود إلى سلسلة من التأثيرات السلبية داخل السوق، أبرزها تفريغ الأسواق مؤقتا من بعض السلع، وانتشار حالة من الهلع بين المستهلكين، فضلا عن احتمال ارتفاع الأسعار نتيجة زيادة الطلب المفاجئة مقارنة بالكميات المعروضة.

ويشرح أن الأسواق في الظروف الطبيعية تستوعب الطلب بطريقة تدريجية. فعلى سبيل المثال، قبل شهر رمضان يتوزع شراء المستهلكين للسلع على عدة أيام، ما يسمح للسوق بالحفاظ على توازن العرض والطلب. لكن في أوقات الحروب، يحدث العكس تماما، إذ يتخذ المستهلكون قرار الشراء بشكل مفاجئ ومتزامن، ما يؤدي إلى ارتفاع حاد ومؤقت في الطلب.

ورغم ذلك، يشير أبو الروس إلى أن هذا الاضطراب غالبا ما يكون قصير الأمد، إذ تحتاج الأسواق عادة من يومين إلى ثلاثة أيام لاستيعاب ما يسميه الاقتصاديون "صدمة الطلب"، وخلال هذه الفترة تتكيف سلاسل التوريد مع الزيادة المفاجئة، بينما يكتشف المستهلكون أن الكميات التي قاموا بتخزينها في منازلهم كافية، فيبدأ الطلب بالانخفاض تدريجيا ويعود السوق إلى حالة من الاستقرار النسبي.

ويؤكد أن هذا السلوك يؤدي عمليا إلى حرمان مواطنين آخرين من الحصول على احتياجاتهم. فحين يقوم شخص بتخزين عشر أسطوانات غاز مثلًا، فإن ذلك يعني ضمنيا أن مواطنا آخر قد لا يجد أسطوانة واحدة، رغم أن السوق من حيث الكميات الكلية قادر على تلبية الطلب.

وفي حال استمرار التصعيد الإقليمي لفترة طويلة، يتوقع أبو الروس أن تتأثر عدة قطاعات اقتصادية في فلسطين، على رأسها القطاع الصناعي الذي يعتمد بشكل كبير على استيراد المواد الخام ومدخلات الإنتاج عبر إسرائيل أو موانئها، أي تعطل في سلاسل التوريد قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج أو توقف بعض المصانع.

كما قد يتأثر القطاع التجاري الذي يعتمد بدوره على استيراد معظم السلع من الخارج، بما في ذلك الملابس والمواد التموينية والسلع الاستهلاكية المختلفة.

ويرى أن الاقتصاد الفلسطيني قد يواجه ما يسمى بظاهرة "الكساد التضخمي"، وهي حالة تجمع بين ارتفاع الأسعار من جهة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين من جهة أخرى. ففي هذه الحالة ترتفع تكلفة السلع الأساسية بينما يصبح دخل الأسر غير قادر على مواكبة هذا الارتفاع، ما يؤدي إلى تراجع الاستهلاك وزيادة الضغوط المعيشية.

وفي ضوء هذه التطورات، يشدد أبو الروس على أهمية رفع مستوى الوعي لدى المواطنين بضرورة الشراء وفق الحاجة الفعلية، مؤكدا أن الحفاظ على توازن السوق مسؤولية مشتركة بين المستهلكين والجهات الرقابية والتجار. فالسوق، كما يقول، قادر في العادة على استيعاب الأزمات، لكن الهلع الجماعي قد يحول القلق المؤقت إلى أزمة اقتصادية حقيقية.

تفاصيل الخبر في : اقتصاد فلسطين
طباعة