*«عدن بين ضبط الدولة وبناء الدولة: لماذا لا تكفي العاصمة الآمنة بلا اقتصاد؟»*

*«عدن بين ضبط الدولة وبناء الدولة: لماذا لا تكفي العاصمة الآمنة بلا اقتصاد؟»*

الأخبار الاقتصادية

*«عدن بين ضبط الدولة وبناء الدولة: لماذا لا تكفي العاصمة الآمنة بلا اقتصاد؟»*

 

نشرت صحيفة «الأيام» العدنية الغرّاء في عددها الأسبوعي الصادر يوم الخميس 12 فبراير 2026 مقالًا جديدًا لي بالعنوان أعلاه.

 

يتناول المقال مسألة تأهيل عدن كعاصمة انتقالية من زاوية نقدية بنيوية، تنطلق من التمييز بين ضبط الدولة بوصفه مدخلًا أمنيًا ضروريًا، وبناء الدولة بوصفه مشروعًا اقتصاديًا–اجتماعيًا أعمق لا يستقيم بدونه معنى الاستعادة.

 

ويجادل النص بأن التركيز على الأمن وحده، رغم أهميته، يظل قاصرًا إذا لم يُستكمل بإعادة الاعتبار لوظيفة عدن التاريخية كميناء عالمي ومركز اقتصادي إقليمي. فعدن، في جوهرها، لم تكن عاصمة سيادة بقدر ما كانت عاصمة وظيفة، وإعادة إنتاجها بلا اقتصاد يعيدها خارج قدرها ودورها التاريخي.

 

آمل أن يثير المقال نقاشًا جادًا ينقل التداول من رمزية العاصمة إلى جوهر الدولة بوصفها وظيفة اقتصادية وعقدًا اجتماعيًا.

 

*النص الكامل للمقال:*

 

*عدن بين “ضبط الدولة” و“بناء الدولة”: لماذا لا تكفي العاصمة الآمنة بلا اقتصاد؟*

 

بقلم: السفير د. محمد قباطي

 

*مدخل عام: من العاصمة الآمنة إلى سؤال الدولة*

يبدو المشهد في عدن، للوهلة الأولى، واعدًا: ترتيبات أمنية جديدة، توحيد للقوى المسلحة، إخراج للمعسكرات من قلب المدينة، محاولات لاستعادة انتظام الخدمات، تأهيل المطار، وبناء صورة لعاصمة انتقالية محترمة يمكن أن تستضيف الدولة ورموزها بعد سنوات من التهجير والفوضى. كل ذلك مهم وضروري، لكنه يظل – من زاوية تحليل الدولة الحديثة – بداية “ضبط الدولة” لا بداية “بناء الدولة”.

وهنا تكمن الإشكالية الكبرى في كثير من المقاربات السائدة: اختزال فكرة استعادة عدن في بعدها الأمني والسيادي، مع إغفال الرافعة الحقيقية التي قامت عليها المدينة تاريخيًا، والتي بدونها تفقد عدن معناها ودورها ووظيفتها: الاقتصاد.

فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، بل بقدرتها على إنتاج الثروة، وإدارة الموارد، وتوليد فرص العيش الكريم لمواطنيها. والدولة التي تضبط الأمن دون أن تبني اقتصادًا، تشبه من يعيد ترتيب البيت من الخارج بينما الأساسات الداخلية آيلة للانهيار.

 

*من احتكار العنف إلى احتكار الوظيفة العامة*

لا جدال في أن توحيد السلاح واحتكار العنف الشرعي شرط أولي لقيام أي دولة. فالدولة التي لا تملك قرار الأمن ليست دولة، بل كيان إداري هش أو كانتون مؤقت. لكن الخطأ المفهومي الشائع هو الاعتقاد أن هذا الشرط كافٍ بذاته.

الدولة الحديثة لا تقوم فقط على احتكار العنف، بل على احتكار الوظيفة العامة الاقتصادية: الجمارك، الضرائب، الموانئ، السياسة النقدية، البنوك، الاستثمار، التشغيل، إدارة الموارد، وإنتاج الثروة.

بعبارة أدق: الأمن يصنع الدولة كجهاز، لكن الاقتصاد يصنعها كعقد اجتماعي.

فالدولة التي لا تتحكم في اقتصادها، لا تتحكم في قرارها السياسي، مهما امتلكت من قوة أمنية. والاقتصاد هنا ليس قطاعًا من القطاعات، بل هو الإطار الذي تنتظم داخله علاقة الدولة بالمجتمع، وهو ما يحدد في النهاية طبيعة العقد الاجتماعي وحدود الشرعية السياسية.

 

*عدن والوظيفة التاريخية: المدينة التي وُلدت من الميناء*

عدن لم تُنشأ أصلًا كعاصمة سيادة، بل كعاصمة وظيفة. وُلدت من الميناء قبل القصر الرئاسي، ومن التجارة قبل السياسة، ومن الانفتاح قبل المركزية.

كانت عدن تاريخيًا ميناءً عالميًا، عقدة عبور بحرية، منطقة تجارة حرة، مركز خدمات ولوجستيات، واقتصاد مدينة–دولة داخل دولة. أي أن هوية عدن لم تتشكل من السيادة الرمزية، بل من الوظيفة الاقتصادية الإقليمية.

هذا يعني أن العدنيين تاريخيًا لم يكونوا مجرد سكان عاصمة، بل فاعلين في شبكة اقتصادية مفتوحة، تشكلت فيها طبقة تجارية، وثقافة مدينية، وأنماط عيش مرتبطة بالعالم أكثر مما هي مرتبطة بالمركز السياسي.

ومن هنا فإن أي مشروع لإعادة عدن يتجاهل هذه الحقيقة، إنما يعيد إنتاج مدينة بلا روح، ويحوّلها من فاعل اقتصادي إلى مجرد مقر إداري بلا ديناميكية اجتماعية أو تاريخية.

 

*الجغرافيا الاقتصادية: عدن في قلب خرائط التجارة العالمية*

عدن ليست مجرد مدينة يمنية، بل نقطة على خريطة الاقتصاد العالمي:

على خط آسيا – باب المندب – قناة السويس – أوروبا.

وعند تقاطع الخليج والقرن الإفريقي وشرق إفريقيا والمحيط الهندي.

هذا الموقع لا يمنح عدن ميزة رمزية، بل يمنحها ميزة تنافسية حقيقية في عالم الاقتصاد العالمي، حيث تتحول الموانئ إلى عقد أساسية في سلاسل القيمة والإمداد، وتصبح الجغرافيا أداة إنتاج لا مجرد خلفية سياسية.

في عالم اليوم، النفوذ لا يُقاس بعدد القواعد العسكرية، بل بعدد الحاويات، وحجم الخدمات اللوجستية، وموقع الدولة في سلاسل الإمداد العالمية.

وإذا أُعيد إدماج عدن في هذه الشبكة العالمية، فإنها قادرة على أن تصبح مركزًا اقتصاديًا لا لليمن فقط، بل للمنطقة بأكملها، وجسرًا بين الخليج وشرق إفريقيا والبحر الأحمر.

 

*البنية التحتية والاقتصاد السياسي للدولة*

الدولة لا تُرى في القصر الرئاسي، بل تُرى في الميناء والمطار والمصافي والبنوك والكهرباء والاتصالات والجمارك والمناطق الحرة.

هذه ليست قطاعات تقنية، بل جهاز الدولة الحقيقي والدستور غير المكتوب الذي يحدد من ينتج ومن يوزع ومن يربح ومن يدفع كلفة الانقسام.

فمن يملك الميناء يملك الاقتصاد، ومن يملك الاقتصاد يملك السياسة. والبنية التحتية ليست ترفًا تنمويًا، بل شرطًا وجوديًا لقيام الدولة.

وفي الحالة اليمنية تحديدًا، تصبح البنية التحتية ليست فقط أداة تنمية، بل أداة إعادة توحيد، لأنها تخلق مصالح مشتركة عابرة للمناطق والهويات الضيقة، وتجعل الانقسام مكلفًا اقتصاديًا لا مجرد خيار سياسي.

 

*الخلاصة: عدن بين الرمز والوظيفة*

ما نراه اليوم هو بداية ضبط الدولة لا بنائها. وما تحتاجه عدن ليس فقط أن تكون عاصمة آمنة، بل أن تعود مدينة ذات وظيفة اقتصادية إقليمية.

عدن تاريخيًا ليست عاصمة سيادة بل عاصمة وظيفة. ومن يعيد عدن بلا اقتصاد يعيدها خارج قدرها التاريخي.

فالعاصمة الرمزية قد تمنح الدولة صورة، لكن العاصمة الوظيفية وحدها تمنحها مضمونًا. والأمن يفتح الباب، لكن الاقتصاد هو الذي يجعل الناس يدخلون الدولة ويؤمنون بها.

الدولة التي لا تعيد تعريف موقعها الاقتصادي الإقليمي، ستبقى هشّة مهما بلغت كفاءتها الأمنية، ومهما استقرت مؤسساتها الشكلية.

طباعة