خاص لـ«مجلة الاستثمار»
بقلم المحامي/ جسار فاروق مكاوي*
حين نتحدث عن جذب الاستثمار في اليمن، غالبا ما ينصرف النقاش إلى رأس المال والموارد والموانئ والمناطق الحرة و الإعفاءات والحوافز الضريبية والفرص الواعدة .. لكن هناك مسألة أكثر أهمية ينبغي أن تسبق كل ذلك.. ماذا يحدث عندما ينشأ النزاع؟..
المستثمر لا يقيس (البيئة الاستثمارية) بما تمنحه له الدولة من تسهيلات، عند بداية المشروع فقط، انما أيضا بقدرة منظومة العدالة على حماية حقوقه وحسم النزاع الذي قد ينشأ أثناء ممارسة نشاطه الاقتصادي .
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى الانتقال من مفهوم القضاء الذي ينظر إلى (المنازعة الاقتصادية) باعتبارها مجرد (دعوى تجارية) إلى مفهوم (القضاء المتخصص اقتصاديا) باعتباره أحد مكونات البنية الأساسية للاستثمار والتنمية .
(الاستثمار بحاجة لقضاء يفهم بالاقتصاد)
تتطلب النزاعات الاقتصادية المعاصرة، قضاء متخصص بالجوانب الاقتصادية وعلى فهم واسع بتعقيداتها.. وخلافا لما سبق أصبحت النزاعات الاقتصادية أكثر تعقيد، من أن تعالج دائما بالأدوات التقليدية للتقاضي.
وثمة أوجه مختلفة للنزاعات، قد تتعلق بشركة مساهمة أو تمويل مصرفي، أو اعتماد مستندي، كما تشمل النزاعات حول عقد استثمار، أو مشروع بنية تحتية، أو وكالة تجارية. خلافا الى التأمين أو النقل البحري، كذلك قضايا الملكية الفكرية أو تجارة إلكترونية أو إفلاس أو إعادة هيكلة أو ما له علاقة بالمنافسة والاحتكار.
ولا يقتصر الفصل في هذه النزاعات، على معرفة النص القانوني، انما بحاجة الى فهم عميق بطبيعة النشاط الاقتصادي الذي نشأ عنه النزاع.
ومن هنا جاءت فلسفة القضاء المتخصص بالاقتصاد، والمحاكم الاقتصادية ، ولا يعني
انشاء هذه المحاكم المتخصصة ، تقييد سلطة القضاء في ما يتعلق بالنزاعات الاقتصادية، انما تمكينه من أدوات أكثر دقة لفهم المنازعات الاقتصادية، والوصول الى حكم أكثر عمق واتساق وبسرعة أكبر.
من المحكمة التجارية إلى القضاء الاقتصادي
تحقيق الغاية من وجود هذا القضاء المتخصص، لا يعني استحداث مسمى جديد او استبدال اسم محكمة بأخرى ؛
أي استبدال اسم "المحكمة التجارية" إلى "المحكمة الاقتصادية" ،
انما يتطلب بناء منظومة قضائية اقتصادية متكاملة، تضم دوائر متخصصة في الشركات والمصارف والاستثمار، وأيضا في قضايا الإفلاس والملكية الفكرية والمنافسة والمنازعات التجارية الدولية وغيرها..
ومن الممكن ان تستعين، عند استدعاء الحاجة، بالخبراء الماليين والمحاسبين والفنيين ، مع إبقاء سلطة الفصل للقاضي .. وحتى لا تضيع مزية التخصص عند الطعن بالاحكام الابتدائية، ينبغي ان تقترن تلك المنظومة بوجود قضاء استئنافي متخصص.
(سرعة العدالة جزء من قيمة الاستثمار)
في عالم الاستثمار هناك (قاعدة عملية) لا تحتاج إلى كثير من الشرح .. ((العدالة المتأخرة قد تتحول إلى خسارة اقتصادية)).. وتجعل من المشروع المتنازع عليه عرضة لمخاطر التوقف، وربما الى تجميد أمواله، وقد تتعطل العمالة، كما تستمر الالتزامات المصرفية، بينما الفرصة الاستثمارية مهددة بالضياع.
لذا فإن سرعة الفصل في المنازعات الاقتصادية ليست مجرد عملية اجرائية تهتم بالنزاعات الاقتصادية، وإنما عنصر من عناصر حماية الاستثمار ، ما يجعل أولوياتها العدالة بدرجة أساسية.
أي ان لا تكون سرعة الفصل في القضايا على حساب العدالة، انما المطلوب تحقيق عدالة سريعة وقابلة للتنفيذ.
القضاء الاقتصادي وثقة المستثمر
وجود قضاء متخصص في النزاعات الاقتصادية يحمل قيمة اقتصادية، خصوصا اذا حقق الحماية القانونية للمستثمر ؛ لأن المستثمر عندما يدرس مشروعه لا ينظر إلى حجم السوق والموارد فقط بل يدرس المخاطر القانونية أيضا.. بل ان وجودها من أكثر المخاطر التي تنزع ثقة المستثمر.
اما اذا توفرت تشريعات تضمن الحقوق الاقتصادية لأي مستثمر، فهذا يحقق بيئة استثمار آمنة وجاذبة ، على ان تكون القواعد القانونية واضحة ، بالاضافة الى استقرار الاجتهاد القضائي وسرعة الفصل في النزاع.. واستقلال القضاء وكفاءته، وقابلية الأحكام للتنفيذ..
وبالتالي فإن تطوير القضاء الاقتصادي يمكن أن يتحول من مشروع إصلاح قضائي إلى أداة مباشرة لتحسين مناخ الاستثمار.
واليمن بحاجة الى ان تخطو نحو هذا الاتجاه. ولديه كل المقومات الاقتصادية التي تجعله من أفضل البلدان الجاذبة للاستثمار ، موقع جغرافي فريد، وسواحل طويلة وفي ممرات بحرية نشطة، وموانئ، بالاضافة الى موارد طبيعية.. وأرض زراعية، وثروة سمكية، وطاقات بشرية، ومجالات واسعة لإعادة الإعمار والتنمية..
لكن الفرص الاقتصادية تحتاج إلى بيئة قانونية تحميها.. ولا يمكن بناء اقتصاد حديث بأدوات قضائية تقليدية لا تواكب التطور السريع للمعاملات الاقتصادية، .. وانشاء قضاء اقتصادي متخصص ينبغي أن يكون جزءا من رؤية أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز سيادة القانون وتحقيق الأمن القانوني للاستثمار .
ولتحقيق ذلك، لا ينبغي فقط اصدار قانون لانشاء "محكمة اقتصادية"، بل وضع منظومة متكاملة تتضمن :
(أولا) : إنشاء محكمة اقتصادية متخصصة ذات اختصاص نوعي واضح .
(ثانيا) : إنشاء دوائر اقتصادية متخصصة في المحاكم الاستئنافية .
(ثالثا) : تأهيل قضاة متخصصين في القانون التجاري والاقتصادي والمصرفي والاستثماري .
(رابعا) : إنشاء نيابة متخصصة في الجرائم الاقتصادية والمالية ضمن الإطار القانوني والمؤسسي للدولة .
(خامسا) : وضع إجراءات مبسطة وسريعة للمنازعات الاقتصادية مع الحفاظ الكامل على ضمانات التقاضي .
(سادسا) : إنشاء نظام فعال للخبرة الاقتصادية والمحاسبية والقانونية أمام القضاء .
(سابعا) : تعزيز آليات التنفيذ القضائي للأحكام الاقتصادية .
(ثامنا) : إتاحة التحكيم والوساطة والصلح التجاري كوسائل مكملة للقضاء لا بدائل تنتقص من دوره .
ربما يعتقد البعض أن إنشاء قضاء اقتصادي متخصص هو استجابة لمطالب المستثمرين ورجال الأعمال فقط . وهذا تصور غير دقيق ، فالقضاء الاقتصادي حماية للاقتصاد والمجتمع والدولة، كما انه حماية للعامل والمستهلك مثلما يمثل حماية للمشروع والمستثمر على حد سواء ، لا سيما وأنه يشكل بنية تشريعية لحماية الأصول والمعاملات والعقود، ويرسخ الثقة بالبيئة ككل.. فحين يعرف المتعامل أن العقد الذي يبرمه له حماية قضائية حقيقية فإنه يصبح أكثر استعداد للتعاقد والاستثمار والتمويل والتوسع..
وبذلك تتحول العدالة من مجرد وسيلة لحسم النزاع بعد وقوعه إلى أداة للوقاية من النزاع وتشجيع النشاط الاقتصادي قبل وقوعه.. ما يجعل القضاء الاقتصادي المتخصص جزءا من البنية التحتية للاستثمار.. اذ لا تقتصر البنية التحتية للاستثمار على الطرق والكهرباء والموانئ والمياه والاتصالات.... الخ.
بينما هناك جوانب لا تقل أهمية، على صلة بالبنية القانونية والقضائية.. واذا كان الطريق يستخدم لايصال البضائع والمصارف لتمويل المشاريع، فان القضاء هو حماية لكل تلك الوظائف الاقتصادية المرتبطة بالاستثمار، وفي الوقت نفسه حماية للانسان ، بوصفه المحرك للثقة والاستثمار.
والهدف من وجود هذا القضاء المتخصص حماية الثقة وبناء الاقتصاد وصناعة المستقبل. كما أنه استثمار في الاستثمار نفسه.
° محامٍ مرافع في الدرجة الثانية (الاستئناف)، والممثل القانوني لدى الهيئة العامة للآثار والمتاحف - الديوان العام بعدن.